مصطفى لبيب عبد الغني
147
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
لنفسه بأي تصور مسبق لنوع النتائج التي سوف يحصل عليها ولا ينبغي عليه أن يسمح لنفسه بالوقوع تحت تأثير الأماني والرغبات . وكل هذه الأمور التي تحقق « الموضوعية » هي بالفعل جوهر المنهج العلمي الصحيح « 1 » . وهكذا يخلص الرازي إلى تقرير درس منهجى هام وهو : إن التحرر العقلي ونفض كل صور التبعية لأي سلطة خارج نطاق العقل ذاته ، وروح النقد البنّاء وإحقاق الحق وإبطال الباطل ، والاعتراف بالفضل لذويه كل ذلك مطالب أساسية يقوم عليها صرح العلم . وفي كتابه القيّم « الشكوك على العالم أفضل الأطباء جالينوس في الكتب المنسوبة إليه » يقرر الرازي أن « صناعة الطب والفلسفة لا تحتمل التسليم للرؤساء والقبول منها ولا مساهلتهم وترك الاستقصاء عليهم ولا الفيلسوف يحب ذلك من تلاميذه والمتعلمين منه ، كما ذكر ذلك أيضا جالينوس في كتابه « منافع الأعضاء » حيث وبّخ الذين يكلفون أتباعهم وأشياعهم القبول منهم بلا برهان . وكان أكثر ما جرأنى وسهّل علىّ هو أن الرجل
--> ( 1 ) راجع : Bridgman , p . 43 وما يقوله أيضا كلود برنارد مبينا استقلال المنهج العلمي الصحيح عن أي سلطة خارجية تعوق تقدمه : « لا يجوز القول بأن رأى إنسان يصور الحقيقة الكاملة في العلوم . فهو ليس إلا دليلا وضوءا نهتدى بهديه لا حجة مطلقة . ولقد كان إحلال المقياس العلمي محل الحجة الشخصية جوهر الانقلاب الذي أحدثه المنهج التجريبى في العلوم . . . ولا ينبغي الاحتفاظ بأفكار السلف ونظرياتهم إلا بقدر ما تصور تلك الأفكار والنظريات من حالة العلم ، فما من شك أن مصيرها إلى التبدل . . . وإذا أساء المرء في العلوم التجريبية فهم احترام السلطان الشخصي كان ذلك فسادا في الرأي وعقبة كؤودا في سبيل العلم وتقدمه وكان في الوقت نفسه نافيا للأمثلة التي ضربها لنا في كل العصور أولئك العظماء من العلماء الذين جاءونا فعلا بالأفكار الجيدة ، وحطموا الأخطاء فلم يحترموا حجج أسلافهم وسلطانهم . وهم لا يقبلون أن يعاملوا بغير هذه المعاملة . والمنهج التجريبي يتخذ هذا التمرد على السلطان قاعدة أساسية مقدسة ، وهذا لا يتنافى مع الاحترام والاعجاب اللذين نشعر بهما للعظماء الذين سبقونا ، والذين لهم علينا فضل الكشوف الكثيرة التي قامت على أساسها العلوم بقدر ما ينقص من كمية الأخطاء . على أن كلا من هذه الحقائق الخاصة تنضم إلى غيرها لتكون معها حقائق أعم . وتختفى أسماء جهابذة العلم شيئا في هذا الاندماج والتوحيد ، وكلما تقدم العلم اتخذ شكلا لا شخصيا وانفصل عن الماضي . إن من وأجبنا ألا تنسى قط أن صحة الوجدان وخصب الفكرة لا يمكن التأكد منهما إلا بالتجربة . ( مدخل إلى دراسة الطب التجريبى ص 40 - 44 ) .